سيد محمد طنطاوي

233

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمعنى ، ذلك الذي شرعناه لك من تفويض الأمر إليك في شأن أزواجك ، أقرب إلى رضا نفوسهن لما تصنعه معهن ، وأقرب إلى عدم حزنهن وإلى قبولهن لما تفعله معهن ، لأنهن يعلمن أن ما تفعله معهن إنما هو بوحي من اللَّه - تعالى - وليس باجتهاد منك ، ومتى علمن ذلك طابت نفوسهن سواء سويت بينهن في القسم والبيتوتة والمجامعة . . . أم لم تسو . قال القرطبي : قال قتادة وغيره : أي : ذلك التخيير الذي خيرناك في صحبتهن أدنى إلى رضاهن ، إذ كان من عندنا - لا من عندك - ، لأنهن إذا علمن أن الفعل من اللَّه قرت أعينهن بذلك ورضين . . وكان - عليه الصلاة والسلام - مع هذا يشدد على نفسه في رعاية التسوية بينهن ، تطييبا لقلوبهن ويقول : « اللهم هذه قدرتي فيما أملك ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك » « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( واللَّه يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ ) * خطاب للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ولأزواجه ، ويندرج فيه جميع المؤمنين والمؤمنات وجمع بجمع الذكور للتغليب . أي : واللَّه - تعالى - يعلم ما في قلوبكم من حب وبغض ، ومن ميل إلى شيء ، ومن عدم الميل إلى شيء آخر . قال صاحب الكشاف : وفي هذه الجملة وعيد لمن لم ترض منهن بما دبر اللَّه - تعالى - من ذلك ، وبعث على تواطؤ قلوبهن والتصافي بينهن ، والتوافق على طلب رضا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلَّم وما فيه طيب نفسه « 2 » . * ( وكانَ اللَّه ) * - تعالى - * ( عَلِيماً ) * بكل ما تظهره القلوب وما تسره * ( حَلِيماً ) * حيث لم يعاجل عباده بالعقوبة قبل الإرشاد والتعليم . ثم كرم - سبحانه - أمهات المؤمنين بعد تكريمه لنبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : * ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ . . . ) * . أي : لا يحل لك ، - أيها الرسول الكريم - أن تتزوج بنساء أخريات من بعد التسع اللائي في عصمتك اليوم ، لأنهن قد اخترنك وآثرنك على زينة الحياة الدنيا ، ورضين عن طيب نفس أن يعشن معك وتحت رعايتك ، مهما كان في حياتك معهن من شظف العيش ، والزهد في متع الدنيا .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 14 ص 216 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 552 .